A350F و777-8F: معركة جديدة على سوق الشحن الجوي العالمي

A350F و777-8F: معركة جديدة على سوق الشحن الجوي العالمي

عاد الشحن الجوي ليصبح أحد أكثر قطاعات الطيران أهمية من الناحية الاستراتيجية. فقد ارتفع الطلب العالمي على الشحن بنسبة 4.4% على أساس سنوي في أغسطس 2026 وفق بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي، في وقت تستعد فيه إيرباص وبوينغ لجيل جديد من طائرات الشحن الثقيلة: A350F و777-8F.

هذه المنافسة لا تختصر في صراع تقليدي بين مصنعين. فهي تعكس تحولاً في التجارة العالمية، مع نمو شحن أشباه الموصلات ومعدات الذكاء الاصطناعي والأدوية والتجارة الإلكترونية، إضافة إلى لجوء الشركات إلى النقل الجوي عندما تصبح سلاسل الإمداد البحرية أقل استقراراً أو أكثر بطئاً.

الطلب يرتفع رغم قفزة كبيرة في أسعار الوقود

تقول IATA إن الطلب العالمي المقاس بالطن-كيلومتر ارتفع 4.4% في أغسطس، بينما تراجعت السعة 0.1%. وارتفع الطلب الدولي بنسبة 5.3%.

هذا النمو يأتي رغم ارتفاع أسعار وقود الطائرات 79.2% مقارنة بالعام السابق. ومع ذلك، تحسنت عوائد الشحن من شهر إلى آخر للمرة الأولى منذ أبريل. وسجلت أمريكا الشمالية نمواً في الطلب بنسبة 6.6% مع انخفاض في السعة، وأوروبا 4.1% مع تراجع في السعة أيضاً، وآسيا والمحيط الهادئ 4.3%، وهي منطقة تمثل أكثر من ثلث السوق العالمية.

الشحن الجوي أغلى بكثير من النقل البحري، لكنه يشتري الوقت. بالنسبة إلى شركات الرقائق الإلكترونية والأدوية والتكنولوجيا، قد تكون تكلفة تعطيل بضائع مرتفعة القيمة لأسابيع أكبر من تكلفة إرسالها جواً.

كما يشير تقرير رويترز إلى أن نمو الذكاء الاصطناعي يدفع الطلب على نقل الرقائق والخوادم جواً. هذه البضائع مرتفعة القيمة وحساسة للوقت ومضغوطة الحجم نسبياً، ما يجعلها مناسبة للنقل الجوي.

وعندما تصبح الطرق البحرية أطول أو أقل قابلية للتنبؤ أو أكثر تعرضاً للمخاطر الجيوسياسية، يمكن للشحن الجوي أن يعمل كحل احتياطي سريع. فهو لا يستطيع استبدال سفن الحاويات من حيث الحجم، لكنه يصبح مهماً للسلع العاجلة والمكونات الصناعية والأدوية والإلكترونيات مرتفعة القيمة.

A350F: عودة إيرباص إلى سوق تهيمن عليه بوينغ

هيمنت بوينغ لعقود على سوق طائرات الشحن الكبيرة عبر 747 و767F و777F. لذلك فإن الرحلة الأولى لطائرة A350F في 29 سبتمبر كانت خطوة استراتيجية مهمة لإيرباص.

طارت الطائرة الاختبارية الأولى MSN700 لمدة 4 ساعات و10 دقائق. وتستهدف إيرباص دخول الطائرة الخدمة في النصف الثاني من 2027، وتقول إنها حصلت على 115 طلبية من 14 عميلاً معلناً.

تبلغ الحمولة القصوى المعلنة لـA350F نحو 111 طناً، مع مدى يصل إلى نحو 8,700 كيلومتر. وتروج إيرباص لوزن إقلاع أقصى أقل بـ46 طناً من المنافس المباشر، إضافة إلى خفض يصل إلى 40% في استهلاك الوقود والانبعاثات مقارنة بطائرات شحن حالية ذات قدرات مماثلة. وهذه الأرقام الأخيرة ادعاءات صادرة عن الشركة المصنعة وليست مقارنة مستقلة.

كما يبلغ عرض باب الشحن الرئيسي نحو 4.3 أمتار، وهو عنصر مهم عند تحميل المنصات الكبيرة أو الشحنات غير القياسية. ففي عمليات الشحن، سرعة المناولة وسهولة إدخال البضائع قد تؤثر في الكفاءة بقدر الحمولة والمدى.

777-8F: بوينغ تراهن على الحمولة الأكبر

تعتمد بوينغ فلسفة مختلفة. فالحمولة الهيكلية القصوى المعلنة لطائرة 777-8F تبلغ 118 طناً، أي أكثر بنحو سبعة أطنان من A350F، وتقدمها الشركة باعتبارها أكبر طائرة شحن ثنائية المحركات من حيث القدرة.

كما تستفيد من البنية التشغيلية القائمة حول 777F: طيارون وفنيون ومرافق صيانة وتجهيزات أرضية موجودة بالفعل لدى العديد من شركات الشحن. هذا يقلل كلفة الانتقال إلى الجيل الجديد بالنسبة إلى بعض المشغلين.

وأظهرت طلبية الخطوط الجوية الإثيوبية في 30 سبتمبر قوة هذا النموذج، إذ طلبت الشركة ثماني طائرات 777-8F وطائرتين 777F من الجيل الحالي، لتصبح أول عميل أفريقي للطراز الجديد. وتربط شبكة الشحن التابعة لها أكثر من 70 سوقاً. كما طلبت MSC Air Cargo خمس طائرات 777-8F في يوليو، وهو تطور لافت لأن المجموعة الأم معروفة أساساً بنشاطها البحري واللوجستي.

إيرباص تراهن على الوزن الأخف والكفاءة وعلاقة A350F بعائلة A350 للركاب. بوينغ تراهن على الحمولة الأكبر والاستمرارية مع 777F والخبرة الطويلة في تشغيل طائرات الشحن الثقيلة.

لكن الاختيار لا يعتمد فقط على عدد الأطنان. المسافة وكثافة البضائع وسعر الوقود والتمويل وعدد الرحلات اليومية وقدرة الشركة على ملء الطائرة في الاتجاهين عوامل حاسمة.

قد تكون طائرة أصغر قليلاً أكثر ربحية إذا كانت تطير ممتلئة بصورة أكثر انتظاماً. وفي المقابل يمكن للطائرة الأكبر أن تكون شديدة الفاعلية على الممرات الكثيفة بين آسيا وأوروبا والخليج وأمريكا الشمالية عندما تتوافر أحجام شحن كافية في الاتجاهين.

استبدال الأساطيل القديمة قد يكون أهم من النمو نفسه

جزء مهم من أسطول الشحن العالمي يتقدم في العمر. طائرات مثل 747-400F و767F وبعض الطائرات المحولة تواجه ارتفاع تكاليف الصيانة والوقود وضغوطاً بيئية متزايدة.

تتوقع بوينغ حاجة السوق إلى نحو 930 طائرة شحن جديدة مخصصة خلال العشرين عاماً المقبلة، إضافة إلى قرابة 2,000 طائرة ركاب سيتم تحويلها إلى طائرات شحن. وتقول الشركة إن طائرات الشحن عريضة البدن تمثل نحو 75% من القدرة العالمية للشحن الجوي.

هذه الحاجة إلى الاستبدال تفسر لماذا تستثمر إيرباص في سوق أصغر بكثير من سوق طائرات الركاب: طائرات الشحن تبقى في الخدمة لفترات طويلة، واختيار عائلة جديدة قد يربط العميل بالمصنع وبنيته التشغيلية لسنوات عديدة.

لا يقتصر الشحن الجوي على الطرود التقليدية. فهو ينقل الإلكترونيات والأدوية والأغذية الطازجة وقطع الغيار العاجلة والمكونات الصناعية والسيارات والآلات، إضافة إلى كميات ضخمة من طرود التجارة الإلكترونية.

النمو السريع للتجارة الإلكترونية عبر الحدود غير بعض المسارات الطويلة، خصوصاً بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية. وفي الطرف الآخر من السوق تبقى طائرات الشحن الكبيرة ضرورية للبضائع الثقيلة أو كبيرة الحجم التي لا يمكن تحميلها في عنابر طائرات الركاب.

لماذا لا تكفي سعة الشحن في طائرات الركاب؟

عودة الرحلات التجارية بعد الجائحة أعادت كثيراً من السعة المتاحة في بطون طائرات الركاب، لكنها لم تلغ الحاجة إلى طائرات شحن مخصصة.

طائرة الشحن تستطيع العمل ليلاً، واستخدام مطارات متخصصة، ونقل البضائع الخطرة أو كبيرة الحجم، وتحميل منصات كاملة على السطح الرئيسي، والعمل وفق جداول شركات الخدمات اللوجستية لا وفق مواعيد الركاب.

كما أن نحو ثلث التجارة العالمية بالقيمة ينتقل جواً، بينما يعتمد جانب مهم من القدرة بعيدة المدى على طائرات شحن مخصصة. لذلك لم تؤد عودة سعة طائرات الركاب إلى إلغاء الجدوى الاستراتيجية لطائرات مثل A350F و777-8F.

إيرباص بنت دفتر طلبات قوي لـA350F، بينما تملك بوينغ تاريخاً أطول وقاعدة عملاء أكبر في سوق الشحن الثقيل.

لكن مواعيد التسليم ستكون حاسمة. فـA350F تستهدف دخول الخدمة في 2027، بينما يصل 777-8F لاحقاً. وفي قطاع الشحن قد تكون الطائرة المتاحة في الوقت المناسب أكثر قيمة من طائرة أفضل على الورق لكنها متأخرة، وقد يدفع التأخير بعض العملاء إلى 777F الحالي أو إلى طائرات محولة.

تحول أكبر في عالم الخدمات اللوجستية

التحول الأهم هو أن الشحن لم يعد مجرد نشاط تابع لرحلات الركاب. شركات طيران ومجموعات لوجستية وحتى شركات نقل بحري تبني شبكات جوية طويلة الأجل.

لهذا فإن المنافسة بين A350F و777-8F ليست مجرد مواجهة تقنية، بل معركة على البنية الجوية ونموذج التشغيل الذي سينقل السلع مرتفعة القيمة حول العالم خلال العقدين المقبلين.

إيرباص A350F تبدأ برنامج الاختبارات بعد رحلتها الأولى
Ethiopian Cargo تطلب 10 طائرات بوينغ 777 لتوسيع الشحن

المصادر

IATA
Airbus
Boeing
Reuters

الصورة: طائرة بوينغ 777F تابعة لـChina Airlines Cargo تقلع من تاويوان في فبراير 2026. 4300streetcar / Wikimedia Commons، CC BY 4.0.

مشاركة
XFacebookLinkedInBluesky